منذ بداية الثورة السورية بدأت إيران بالتحرك والتدخل في الملف السوري، ومع بدأ الاشتباكات بين الجيش السوري الحر وقوات النظام السوري سارعت إيران بإرسال ميليشياتها بحجة مساندة النظام السوري، وحماية المراقد والمقامات والحسينيات الشيعية، إلا أنها لم تتوقف عند ذلك، ومع اتساع رقعة المعارك ازداد معها التواجد الإيراني وميليشياتها.

تتسارع خطوات “الحرس الثوري الإيراني” القوى الأبرز والمسيطرة على كافة الميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية والأفغانية في سوريا، من أجل ترسيخ نفوذه في سوريا، حيث تمكن وبعمل دؤوب وخطط بعيدة المدى، أن تكسب وجودا اقتصاديا وعقاريا في العديد من المناطق السورية، سواء في الجنوب أو الوسط وصولا إلى الشمال في حلب، عن طريق إنشاء الجمعيات وعمليات التشييع وشراء العقارات.

كذلك عززت إيران دورها في سوريا، وبسطت نفوذها على أكبر مساحة من الجغرافيا السورية في وسط وشرق وشمال البلاد، عبر نشر أعداد كبيرة من عناصر الميليشيات المحلية والأجنبية الموالية لها، وآليات عسكرية بينها منصات صواريخ وطائرات مسيرة ومقرات قيادية يديرها ضباط من “الحرس الإيراني”، في ظل انشغال روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

ضوء أخضر روسي للتوسع الإيراني

مع انشغال روسيا بالحرب مع أوكرانيا، وسحب الكثير من قواتها البرية والبحرية والجوية التي في سوريا، تعمل الميليشيات الإيرانية على الاستفادة من تلك الظروف للتموضع مكان القوات الروسية، وزيادة سلطتها العسكرية والسياسية في المنطقة.

وقالت مصادر خاصة لـ “شبكة تدمر الإخبارية” إن روسيا أعطت الموافقة لإيران على التوسع ونشر نفوذها بالبادية السورية بشكل مباشر، حيث جاء الانتشار العسكري للميليشيات الإيرانية جاء بعد توافق بين ميليشيا “الحرس الثوري الإيراني” والقوات الروسية.

وكشفت المصادر أن التوسع الإيراني جاء تزامنا مع سحب روسيا عدد كبير من قواتها من سوريا، وإبقاءها على عدد قليل من الجنود والضباط في ثلاث مطارات (لم تسمها)، لافتة أن هدف روسيا من سحب قواتها من سوريا هو نقلها إلى الجبهة الأوكرانية.

وبدأت ميليشيات “حزب الله العراق” و”عصائب أهل الحق” اللذان تدعمهما إيران، باشرتا في تثبيت نقاط وحواجز عسكرية على طريق دير الزور تدمر الاستراتيجي بالبادية السورية.

كما استقدمتا تعزيزات لهما من حمص ودير الزور إلى بلدة السخنة الواقعة على الطريق، بهدف تركيز نحو 15 نقطة بشكل أولي، وتسيير دوريات على الطريق لتأمين للقوافل التابعة لها والحافلات.

واعتبرت المصادر أن طريق دير الزور تدمر استراتيجي للمليشيات الإيرانية و”الحرس الثوري” كونه يربط مناطق نفوذها في دير الزور وحمص ودمشق وصولا إلى لبنان، كما يعتبر الخط البري الوحيد للمرور عناصر الميليشيات والأسلحة، والذي يستخدمه الزوار الشيعة من العراق وإيران ودول أخرى “للمراقد المقدسة” عند الشيعة في سوريا.

كذلك انتشرت ميليشيات “لواء الباقر” المدعومة من الحرس الثوري الإيراني” في اللواء 137 في محافظة دير الزور، بعد انسحاب القوات الروسية منه.

وقالت مصادر محلية لمراسل “شبكة تدمر الإخبارية” إن رتلا من القوات الروسية خرج من مستودعات “اللواء 137” واتجه نحو مطار دير الزور العسكري، حيث دخل رتلا عسكريا لـ “لواء الباقر” بقيادة فهد علي إلى اللواء، ليصبح اللواء تحت سيطرت الميليشيات الإيرانية بشكل كامل.

وأضافت المصادر أن الميليشيات الإيرانية أرسلت معدات لوجستية من حلب تضم أسلحة خفيفة ومتوسطة بهدف تعزيز سيطرة “لواء الباقر على “اللواء 137″، مشيرا إلى أن المنطقة المحيطة بالمستودعات شهدت استنفارا عسكريا لعناصر “لواء الباقر”، وانتشار تعزيزات عسكرية على الحواجز والطرقات الرئيسية المؤدية إلى المنطقة.

كما نقلت مليشيات “الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله اللبناني” عدد من ميليشياتها من الجنوب السوري إلى ريف حمص الشرقي.

وقالت مصادر محلية لمراسل “شبكة تدمر الإخبارية” إن الجنوب السوري شهد منذ بداية شهر نيسان الجاري تحركات للمليشيات الإيرانية واللبنانية، منها انتقال عدد من عناصر هذه الميليشيات وخاصة عناصر “حزب الله”، من مناطق مختلفة من محافظات درعا والسويداء والقنيطرة باتجاه بلدة مهين في ريف حمص الشرقي، وذلك على خلفية قيام القوات الروسية بتسليم مستودعات مهين العسكرية إلى المليشيات الإيرانية.

إلى ذلك ذكر مراسل “شبكة تدمر الإخبارية” أن “الحرس الثوري” الإيراني عزز وجوده العسكري في مستودعات مهين، عقب انسحاب كامل للقوات الروسية والفيلق الخامس الموالي لها، باتجاه مطار تدمر العسكري.

وأعادت الميليشيات الإيرانية تموضعها جنوب سوريا، حيث بدأت نقل مجموعات من عناصرها من العاصمة السورية دمشق إلى محافظة درعا.

وقالت مصادر محلية أن مجموعات من ميليشيات “حزب الله اللبناني” و”أبو الفضل العباس” و”لواء فاطميون” المدعومة من إيران تحركت من محيط مطار دمشق الدولي إلى منطقة السيدة زينب، للاجتماع وتوزيع المهام، تمهيداً لنقلها إلى الجنوب السوري.

وأضاف المصادر أن عناصر الميليشيات نقلوا ليلا إلى جنوب سوريا خوفا من رصد تحركاتهم، حيث عززت قوات النظام السوري تحت إشراف الأمن العسكري نقاط الميليشيات بالدبابات والآليات العسكرية، كما ارتدى عناصر الميليشيات زي قوات النظام ورفعوا علمه.

مخاوف عربية ودولية من التواجد الإيراني في سوريا

رغم الرسائل التي وجهها المجتمع العربي والدولي للنظام السوري بفك ارتباطه مع إيران، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية، إلا أنه مع مرور الوقت يزيد من نفوذ وقوة الأذرع الإيرانية الملتفة حول المناطق السورية كافة.

إلى ذلك صرح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أن تواجد الميليشيات الشيعية على الحدود السورية – الأردنية، تهدد أمن الأردن القومي.

وقال الملك عبد الله في مقابلة مع قناة “CNBC” الاقتصادية إن انتشار الميليشيات الشيعية على حدود بلاده أصبحت تشكل خطراً على أمنها القومي لانشغالها بتهريب المخدرات والأسلحة، بسبب تراجع الدور الروسي لانشغال موسكو بغزو أوكرانيا.

وأكد العاهل الأردني أن تزايد نفوذ الميليشيات الشيعية في سوريا على الحدود مع بلاده، زاد نشاط عمليات تهريب المخدرات والسلاح، لافتا أن هناك إشارات لعودة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) إلى المنطقة مجددا.

استهدفات متكررة من الطائرات الحربية الإسرائيلية لمواقع ومستودعات وشحنات السلاح الإيراني على الأراضي السورية، يوضح حجم الرفض للتواجد الإيراني في سوريا، إلا أن إيران وميليشياتها لم تتلقى ضربة موجعة حتى الآن تجعلها تعيد التفكير في توسيع نفوذها في سوريا.

لم تعترف إسرائيل بمسؤوليتها عن الكثير من الهجمات التي نفذتها، لكن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس دعا النظام السوري إلى منع إيران من العمل على الأراضي السورية، وحذر من أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل لإحباط الأنشطة الإيرانية ومنع تهديدات إيران والقوات الحليفة لها.

تحركات واجتماعات عربية مختلفة في الآونة الأخيرة، أبرز محاورها الحد من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة وخاصة سوريا، حيث عقد اجتماع في 22 آذار 2022، اجتماع بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، ورئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت، وتناول الاجتماع التواجد الإيراني في المنطقة، وكيفية إيجاد سبل لمواجهته والحد منه.

في حين بثت قناة “سي إن بي سي” مقتطفات من مقابلة أجرتها مع ملك الأردن، بيّن فيها أنه يدعم تشكيل تحالف عسكري في الشرق الأوسط، على غرار حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

وقال حينها العاهل الأردني: “سأكون من أوائل الأشخاص الذين يؤيدون إنشاء حلفٍ في الشرق الأوسط كحلف شمال الأطلسي”.

رؤية الملك عبد الله الثاني حول تشكيل التحالف العسكري الشرق أوسطي، قد تعززه مخاوف الأردن من تواجد “مليشيات” إيرانية على حدود المملكة من الجهة الشمالية، وربما يكون طرح الحلف العسكري العربي مقبولا لدى معظم العواصم العربية التي تتشارك القلق مع عمان.

ودخلت الميليشيات الإيرانية إلى سوريا مدعومة بتمويل قوي، وبما أن السوريين يعيشون حالة حرب، وصعوبة في تأمين مستلزمات الحياة الأساسية، كان من السهل على الميليشيات إغراء السكان بالرواتب الشهرية العالية، ومن يرفض هذه الإغراءات المضايقة والاعتقال كانت الطريقة الأخرى.

الميليشيات الإيرانية والمدعومة منها العاملة على الأرض السورية، كانت ولا تزال إحدى العقد التي تزيد من صعوبة الحل في سوريا، وبخاصة بعد نقل كل ما يحملون من تعقيدات إلى السوريين، حيث دخلت الميليشيات إلى سوريا مع بدايات الثورة السورية في العام 2011، بذرائع وحجج مختلفة اختلقها النظام السوري وقيادات من الحرس الثوري الإيراني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.