أكثر من خمس سنوات مرت على سيطرة قوات النظام السوري الميليشيات الإيرانية وبغطاء جوي من الاحتلال الروسي على مدينة تدمر وسط البادية السورية، بعد معاركِ كر وفر وتبادل سيطرة مع تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، تسببت في دمار كثير من الأبنية والبنية التحتية، ورغم تعهد النظام بإعادة تأهيل المدينة وتفعيل الخدمات فيها، فإن من عاد ما زال يعيش واقعا مأساويا، بينما لم يسمح لمعظم المدنيين بالرجوع إلى بيوتهم حتى الآن.
في أيار 2015 سيطر تنظيم “الدولة” على مدينة تدمر لأول مرة، واستمر تواجده فيها نحو العام، إلى أن استعاد النظام سيطرته على المدينة في آذار 2016، ثم عاد التنظيم وسيطر على المدينة في كانون الأول 2016، وأخير استولى النظام والميليشيات الإيرانية على تدمر بشكل نهائي في الثاني من آذار 2017.
معارك الكر والفر وتبادل السيطرة بين تنظيم “الدولة” من جهة وقوات النظام والميليشيات الإيرانية من جهة أخرى تسببت في دمار مدينة تدمر وآثاراها، إضافة إلى خلوها تماما من الأهالي، حيث اشتغلت الميليشيات الإيرانية ذلك وسرقت ممتلكات المدنيين واستولت على منازلهم، وبقيت المدينة خالية من سكانها لأكثر من عامين، حيث تعمد النظام والميليشيات الإيرانية على عدم السماح للأهالي بالعودة إلى منازلهم بحجة عمله على إزالة الألغام ورفع الأنقاض وإعادة الخدمات للمدينة.
أكثر من 75 بالمئة من تدمر مدمر
وحسب معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) أطلسًا يبين مدى الدمار الذي لحق بالمدن والبلدات والقرى السورية، خلال الثورة السورية، حيث يوجد 45 مبنى مدمرا كليا، و112 مدمرا بشكل بالغ، و494 بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 651، نتيجة القصف العنيف ومعارك الكر والفر وتبادل السيطرة بين معارك الكر والفر وتبادل السيطرة بين تنظيم “الدولة” من جهة وقوات النظام والميليشيات الإيرانية من جهة أخرى.
وعلى صعيد الخدمات أعلن النظام عن عودة الخدمات إلى المدينة، لكن الواقع مغاير لذلك، حيث أن الخدمات متوفرة فقط في حي الجمعية الغربية، إضافة إلى الحي الشمالي وحي الساحة العامة، التي تعتبر مربع أمني للروس والميليشيات الإيرانية والعوائل المرتبطة بهما.
إلى ذلك ذكرت وسائل إعلام النظام أنها بدأت بإعادة توصيل الكهرباء إلى المدينة، وأن ورشات الصيانة أعادت تأهيل خط التوتر العالي الممتد من التيفور حتى تدمر بمسافة 72 كيلومترا.
في حين قال مصدر خاص لـ “شبكة تدمر الإخبارية” أن الكهرباء لم تصل سوى إلى المقار العسكرية والأمنية التي يوجد فيها الروس وميليشيات النظام وإيران ومنازل العوائل المرتبطة بها، ولا سيما حي الجمعية الغربية مركز الوجود الإيراني، كما يقع ضمنه فرع 221، إضافة إلى الحي الشمالي وحي الساحة العامة
وأضاف المصدر أن العوائل المتواجدة في المدينة توفر الكهرباء عبر المولدات، ويشترون المياه من الصهاريج، ولا يوجد في المدينة سوى فرن آلي فقط ويتعرّض للأعطال بشكلٍ متكرر، ولا يسد حاجة السكان، كما أن بعض عناصر الميليشيات يقومون بتجارة الخبز وبيعه للبدو.
أما بالنسبة للتعليم في تدمر 12 مدرسة مدمرة، ومدرستان فقط قيد الخدمة، مدرسة أذينة ومدرسة هدى شعراوي إحداها ابتدائية والأخرى إعدادية، بينما لا توجد مدرسة ثانوية، ويعد مستوى الكادر التدريسي ضعيف جدا، حسب المصدر.
ولفت مراسل “شبكة تدمر الإخبارية” إلى أن ميليشيا “حيدريون” المدعومة من إيران حولت مدرسة “العشائر المحدثة” بالقرب من دوار بخيتان بالحي الشمالي لمدينة تدمر، إلى مقرا عسكريا، حيث تعتبر مدرسة “العشائر” مدرسة داخلية مختصة بتربية أبناء العشائر البدو بمحيط البادية، إذا تستمر سياسة النظام وداعميه بمنع عودة الحياة والأهالي لمدينة تدمر.
في سياق متصل أفاد مصدر طبي لـ “شبكة تدمر الإخبارية” أنه يوجد مشفى تدمر الوحيد، يقتصر على تقديم بعض الإسعافات الأولية، حيث لا يمكنه إجراء العمليات الجراحية والتحاليل المخبرية، بسبب نقص الأطباء والتجهيزات الطبية، وبالتالي يضطر الأهالي للتوجه إلى مدينة حمص لتلقي العلاج.
ومما سبق يتبين أنه رغم إعلان النظام عن مشروع ترميم لبعض البيوت والأحياء في المدينة، إضافة إلى صيانة شبكات الهاتف والصرف الصحي، لكن هذه العمليات الترميم طالت المقار الأمنية وبعض المؤسسات الحكومية فقط، بينما كان ترميم المنازل تمت على نفقة أصحابها.
تسعون بالمئة من أهالي تدمر مهجرون
ورغم ادعاء النظام السوري السماح لأول دفعة من أهالي تدمر بالعودة إلى بيوتهم في الثامن من حزيران 2019، على أن يبدأ باقي السكان بالعودة لمدينتهم على دفعات، مدعيةً أن جميع الخدمات الأساسية متوفرة، ويمكن أن تتحسّن أكثر مع عودة الأهالي إلى تدمر.
ولفت مصدر خاص لـ “شبكة تدمر الإخبارية” أنه “رغم سيطرة الأسد على المدينة في آذار 2017 لم يسمح لأحدٍ بالعودة، وحتى حديث مسؤولي النظام عن عودة الأهالي إلى تدمر في 2019 كان مجرد ترويج إعلامي، حيث سمح للأهالي بالعودة فعليا في 2020 وبأعداد قليلة جدا، حيث يوجد حاليا في تدمر نحو 1047 عائلة فقط، بعدد أفراد يقدر بنحو 6120”.
وحسب نفس المصدر عدد سكان تدمر في العام 2011 بنحو 110 آلاف نسمة، لكن بسبب المعارك والقصف وسوء الوضع الأمني على مدار سنوات الثورة، نزح سكانها تدريجيا إلى أن أصبحت المدينة خالية من السكان.
وقال كمال الخطيب ناشط مقيم في مدينة الباب لـ “شبكة تدمر الإخبارية” أن مهجرو مدينة تدمر الذين يعيشون في مدينة الباب وريفها يقدر عددهم بأكثر من 1200 عائلة بتعداد أفراد يقدر بأكثر من 6000 شخص.
وأضاف ناشط إنساني من مدينة تدمر أن نحو 200 عائلة من تدمر يعيشون في منطقتي جرابلس وعفرين.
في حين يعيش نحو 850 عائلة يقدر عدد أفرادها بـ 5000 شخص يعيشون في محافظة إدلب، حسب الناشط كمال الخطيب.
وفي محافظة الرقة يعيش نحو 225 عائلة حسب ما ذكر الدكتور بكر القيم.
كم يوجد العديد من العوائل التدمرية المهجرة في تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، الذين يعيشون بواقع أفضل نوعا ما من النازحين في الداخل السوري.
يلاحق الخوف أهالي مدينة تدمر، ويمنعهم من العودة لمدينتهم، على الرغم من الدعوات المتكررة التي أطلقها النظام، بعد استعادته السيطرة على المدينة في مارس/آذار 2017، حيث القسم الأكبر من المدينة يخضع لسيطرة المليشيات الإيرانية التي سلبت أحياء بكاملها وصادرت منازل المدنيين.
ويعود تاريخ مدينة تدمر لأكثر من ألفي سنة، وهي مدرجة ضمن قائمة منظمة “اليونسكو” للتراث العالمي الإنساني، وتعرف بعروس البادية، كما تشتهر بآثارها ذات الأهمية التاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.