(حُزُومُ لُـقِّيّ)، هذه العبارةُ متداولةٌ منذُ القديمِ في تدمرَ وباديتِها، وهي أَقربُ إِلى أَن تكونَ مثلاً يُعبَّرُ قائلُه عن الأَراضي القاحلةِ الفقيرةِ التي لا يرْتجى منها النَّفْعُ، ويسْتخْدِمُونَه في التَّعجُّبِ والدَّهشةِ ممَّن يزْرعُ في هذه الأَراضي التي لا تُغْني، ولا تُسْمنُ من جوعٍ، فهي لديهم معروفةٌ بفقرِ تربتِها، وقلَّةِ فائدتِها، وصعوبةِ تهيئتِها واسْتزراعِها.

ويلْفظونَها حرفَ (القافِ) فيها لفظاً متوسِّطاً ما بينَ القافِ والكافِ، بل أَشدَّ ميلاً إِلى الكافِ، وهذا شائعٌ في أَكثرِ مدنِ الباديةِ وقبائلِها. 

وهذه العبارةُ تحتوي على أَمْرينِ مُتَّصلينِ مترابطينِ، والعلاقةُ بينهما علاقةٌ قويَّةٌ متينةُ الوشائجِ، وقبلَ البدْءِ بشرْحِ هذا التَّركيبِ، والخوضِ في مجالاتِ اسْتخْدامِهِ، لا بدَّ من وقْفةٍ مُتأَنِّيةٍ مع معْنى كلٍّ من: (الحزوم) و: (اللُّقّ)، وذلكَ لتوضيحِ دلالاتِ اللفْظتينِ تسْهيلاً للدُّخولِ في المرادِ من هذا المصْطلحِ.

فالحَزْمُ في اللغةِ هو ما ارْتفعَ وغَلُظَ من الأَرْضِ، قالَ صاحبُ المحْكمِ:

((والحَزْمُ: الغليظُ من الأَرْضِ، وَقيلَ: هُوَ الْمُرْتَفع، وَهُوَ أَغْلظُ من الْحَزْنِ، وَالْجمْعُ: حُزُومٌ)). “[1]” 

نستنتجُ من كلامِ صاحبِ المحكمِ أَنَّ الحزمَ يدلُّ على أَشياءَ، منها:

–   الغليظُ من الأَرْضِ.

–   المرْتفعُ من الأَرْضِ.

ويذكرُ صاحبُ كتابِ: (تهْذيب اللغة) معانيَ قريبةً من هذا، ولكنَّه يفصِّلُ في مدلولاتِ هذه اللفْظةِ، حيثُ سَبَرَ أَغوارَ اللفْظةِ، وأَشْبعَه شرْحاً وتمحيصاً:

((وَقَالَ اللَّيْثُ: الحَزْمُ من الأَرْضِ: مَا احْتَزَمَ من السَّيْلِ من نَجَوَاتٍ الأَرْضِ والظُّهُورِ، والجميعُ: الحُزُوم، وَقَالَ شَمِر: قَالَ ابْن شُمَيْلٍ: الْحَزْمُ: مَا غَلُظَ من الأَرْض، وكَثُرت حِجَارَتُه، وأَشْرَفَ حتَّى صَارَ لَهُ أَقْبَالٌ، لَا تَعْلوه الإبِلُ والنَّاسُ إِلَّا بالجَهْدِ يَعْلونَه من قِبَلِ قُبْلِهِ، وَهُوَ طِينٌ وحِجَارَةٌ، وحجارَتُه أَغْلَظُ وأَخْشَنُ وأَكْلَبُ من حِجَارَةِ الأَكَمَةِ، غَيْرَ أَنَّ ظَهْرَه عَرِيضٌ طَوِيلٌ يَنْقَادُ الفَرسَخَيْنِ والثَّلاثَةَ، وَدونَ ذَاك لَا تَعْلوها الإِبِلُ إِلَّا فِي طَرِيقٍ لَهُ قُبْلٌ مِثْلُ قُبْلِ الجِدَارِ، والحُزُومُ: الجَمِيعُ. قَالَ: وقَدْ يكونُ الحَزْمُ فِي القُفِّ، لِأَنَّهُ جَبَلٌ وقُفٌّ، غيرَ أَنَّه لَيْسَ بمستطيلٍ مثل الجَبَلِ، قَالَ: وَلَا تَلْقَى الْحَزْمَ إِلاَّ فِي خَشُونَةٍ وقُفٍّ)). “[2]”

 لقد أَشارَ صاحب التَّهذيبِ إِلى عددٍ من المعاني والمدلولاتِ التي انطوت تحتَ هذه اللفظةِ، وتدورُ أَكثرُها حولَ معانٍ متقاربةٍ، ولكنَّ العربَ توسَّعوا فيها، واسْتعملوها في أَغراضٍ شتَّى، ومن هذه المعاني التي ذكرَها:

–   الحزْم: ما احْتَزَمَ من السَّيْلِ من نَجَوَاتٍ الأَرْضِ والظُّهُورِ، ومعنى ذلكَ أَنَّ السَّيلَ قد احتزمَ بهذه الأَمكنةِ، فأَحاطَ بها كما يحيطُ الحزامُ بخصْرِ الإٍنسانِ، أَي: أَطافِ بها من جهاتِها، ولم يبلغِ السَّيلُ أَعلاها لارْتفاعِها عمَّا سواها من الأَرْضِ، والنَّجواتُ: جمعُ نجْوةٍ، وهي المرتفعُ من الأَرضِ، وتُسمَّى: الظُّهورَ أَيضاً.

–   الحَزْمُ: مَا غَلُظَ من الأَرْضِ.

–   الحزْمُ: ما كَثُرَت حِجَارَتُه.

–   الحزْمُ: ما ارْتفعَ عن غيرِه، وأَشْرَفَ عليهِ.

–   الحزمُ: ما لَهُ أَقْبَالٌ وأَدْبارٌ، ولَا تَعْلوهُ الإِبِلُ والنَّاسُ إِلَّا بالجَهْدِ.

–   الحزْم: ما كانَ من طِينٍ وحِجَارَةٍ مختلطينٍ معاً. 

–   الحزم: حجارَتُه أَغْلَظُ وأَخْشَنُ وأَكْلَبُ من حِجَارَةِ الأَكَمَةِ. 

–   الحزْم: ظَهْرُه عَرِيضٌ طَوِيلٌ يمتدُّ فَرسَخَيْنِ وأَكثرَ.

–   الحزْمُ: قَدْ يكونُ الحَزْمُ فِي القُفِّ، لِأَنَّهُ جَبَلٌ وقُفٌّ، غيرَ أَنَّه لَيْسَ بمستطيلٍ مثلَ الجَبَلِ.

من خلالِ ما تقدَّمَ أَصبحت هذه اللفظةُ واضحةَ المعالمِ، الأَساسيَّةُ، دالَّلةً على بيئةِ الحزْمِ وتضاريسِهِ، ونخلصُ إِلى أَنَّه أَرْضٌ مرْتفعةٌ، غليظةٌ، قاسيةٌ، تخْتلطُ فيه الحجارةُ مع الأَتربةِ.

وبعدَ أَن تعرَّفنا على دلالاتِ لفظةِ الحزْمِ ومجالاتِها ننْتقلُ إِلى البحْثِ في قواميسِ اللغةِ عن دلالاتِ لفظةِ: (اللُّقِّ)، ومن خلالِ الغوْصِ في حيثيّاتِ هذه المعاجمِ الموسوعيَّةِ اسْتطعنا أَن نَسْتدلَّ على معاني هذه المفْردةِ الجميلةِ التي لا تُسْتَعْمَلُ إِلاَّ في النَّادرِ، وخاصَّةً في الأَمثالِ الشَّعبيَّةِ في مناطقِ تدمر وباديتِها، وهذا دليلٌ على أَصالةِ هذه اللفْظةِ وعراقتِها، وأَنَّ العربَ الأَقحاحَ ما زالوا يلهجونَ بها، ويسْتخدمونِها في موروثاتِ الأَمثالِ التي يتناقلُها النَّاسُ جيلاً بعدَ جيلٍ.

إِذا استعرضْنا مادَّة: (لَقَقَ) في معجمِ: (لسان العرب) نجدُ كثيراً من معاني هذه اللفْظةِ وتفرُّعاتِها، ويهمُّنا منها ما جاءَ كاشفاً لنا عن المثلِ الذي نحنُ بصددِه، وما يرتبطُ به، ويدورُ في فلكِه، جاءَ في اللسانِ: 

((لقَقْتُ عَيْنَهُ أَلُقُّها لَقّاً: وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْكَفِّ خَاصَّةً. ولَقَّ عَيْنَهُ: ضَرَبَهَا بِيَدِهِ، واللقَقَةُ: الضَّارِبُونَ عُيُونَ النَّاسِ بِرَاحَاتِهِمْ، واللَّقّ: كُلُّ أَرضٍ ضَيِّقَةٍ مُسْتَطِيلَةٍ. ابْنُ الأَعرابيِّ: اللقْلقةُ الحُفَرُ الْمُضَيَّقَةُ الرُّؤوسِ، واللَّقّ: الأَرْضُ الْمُرْتَفِعَةُ؛ وَمِنْهُ كِتَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلى الْحَجَّاجِ: (لَا تَدَعْ خَقّاً وَلَا لَقّاً إِلَّا زَرَعْتَهُ)… والخَقُّ: الصَّدْعُ فِي الأَرْضِ وَالشِّقُّ، واللَّقّ: الْغَامِضُ مِنَ الأَرْضِ…)). “[3]” 

وذكرَ صاحبُ التَّاجِ أَنَّ حركةَ اللامِ فيها تأْتي بالفتْحِ والضَّمِّ، فيقالُ: (اللَّقُّ واللُّقُّ)، وجاءَ تعريفُه لها مشابهاً لأَصحابِ القواميسِ الأَخرى، ولكنَّه زادَ على ذلكَ معلوماتٍ أَوسعَ، فقال:

((وكتَبَ عبدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ إِلَى عامِلٍ لَهُ: أَمّا بَعْدُ. فَلَا تَدَعْ خَقّاً من الأَرْضِ وَلَا لَقّاً إِلاَّ سَوَّيْتَهُ وزَرَعْتَهُ، ورواهُ ابنُ الأَنْبارِيِّ بإِسْنادِه أَنَّه زَرَعَ كُلَّ حُقِّ ولُقٍّ، بالحاءَ المُهْملةِ المَضْمُومةِ، قالَ: فالحُقُّ: الأَرْضُ المُطْمَئَنَّةُ، واللُّقُّ: المُرْتَفِعَةُ… اللَّقُّ: الصَّدْعُ فِي الأَرْضِ، عَن ابْنِ الأَعْرابيِّ. وَقَالَ غيرُه: هُوَ الغامِضُ من الأَرْضِ. وَقيلَ: الأَرْضُ المُرتَفِعةُ، وَقيل: الضَّيِّقَةُ المُستطيلةُ…)). “[4]” 

بعدَ ما تقدَّمَ من معلوماتٍ وافيةٍ، ودلالاتٍ كافيةٍ عن معنى: (الحزْم) ومعنى: (اللُّقّ) يتَّضحُ لنا –بلا شكٍّ- عراقةُ هذه الأَلفاظِ وقِدَمُها، وكيفَ أَنَّ الأَجدادَ القدماءَ كانوا يسْتخدمونَ هذه المُسمَّياتِ بدقَّةٍ متناهيةٍ لا تتْركُ مجالاً للتَّأْويلِ، ولا تفْتحُ باباً من أَبوابِ الحيرةِ في معرفةِ المُسمَّى، فاللفْظةُ تأْتي في مكانِها حفْراً وتنزيلاً، ومن هذا المنْطلقِ أَطلقَ أَجدادُنا في تدْمرَ على المنْطقةِ الواقعةِ إلى الجنوبِ الشَّرْقيِّ من تدْمرَ اسمَ: (حُزُومُ لُقِّيّ)، وهذه المنطقةُ معروفةٌ للكثيرينَ من أَبناءِ المدينةِ، وخاصَّةً من قبلِ الفلاَّحينَ والعمَّالِ والرُّعاةِ، فهي أَرضٌ فيها حجارةٌ مختلطةٌ بالتُّرابِ، وتربتُها كلْسيَّةٌ، وتميلُ إِلى الملوحةِ.

عندَ التَّدقيقِ في هذه التَّسميةِ: (حُزُومُ لُقِّيّ) يتَّضحُ لنا أَنَّ لفْظةَ: (حُزُوم) قد جاءت جمعاً، وذلكَ أَنَّ هذه المنطقةَ واسعةٌ وممتدَّةٌ، وفيها حُزُومٌ كثيرةٌ، وليسَ حزْماً واحداً، فلذلكَ جاءت جمْعاً، وأَمَّا لفْظةُ: (لُقِّيّ) فقد جاءت منسوبةً بالياءِ المشدَّدةِ، والأَوْلى من حيثُ القاعدةُ النَّحويَّةُ أَنَّها: (حُزُوْمٌ لُقِّيَّةٌ)، ويظهرُ أَنَّهم قد جمعوا الحزومَ لأَنَّها كثيرةٌ، ونسبوها إلى: (اللُّقِّ)، فكأَنَّهم يقولون: (الحزومُ المنسوبةُ إِلى اللُّقِّ)، وربَّما كانت التَّسْميةُ هي: (حَزْمٌ لُقِّيٌّ) لواحدٍ من هذه الحُزُومِ، ومع طولِ الزَّمنِ والاسْتعمالِ، وكثرةِ هذه الحُزُومِ صارت تُعرفُ بـ: (حُزُوم لُقِّيّ). 

إنَّ هذه المنْطقةَ مؤلَّفةٌ من مجموعةٍ من المرْتفعاتِ ذاتِ الأَرضِ الفقيرةِ بعناصرِ التُّرْبةِ،  وهي تتتالى وراءَ بعضِها بعضاً كالتَّلالِ، وهذه تُسمَّى في اللغةِ: (الحُزُوم) جمع: (حَزْمٍ)، وهو الغليظُ المرْتفعُ من الأَرضِ، ثمَّ أَضافوا إِلى هذه الحُزُومِ صفةً أَخرى هي: (لُقِّي)، وهي الأَرضُ التي لا تُصْلحُ للزَّراعةِ لفقرِها، واخْتلافِ مستوياتِها، واخْتلاطِها بالحجارةِ والكلْسِ، وهذا ما وجدناهُ في الكتابِ الذي أَرسلَه الخليفةُ: (عبدُ الملكِ بنُ مروانَ) إِلى عاملِه، حيثُ يأْمرُه فيه أَن يزْرعَ كلَّ أَرضٍ واقعةٍ ضمْنَ ولايتِه: (فَلَا تَدَعْ خَقّاً من الأَرْضِ وَلَا لَقّاً إِلاَّ سَوَّيْتَهُ وزَرَعْتَهُ)، ويظْهرُ من هذا العبارةِ الوجيزةِ أَنَّ الخليفةَ (عبدَ الملكِ بنَ مروان) كانَ عالماً بطبيعةِ هذه الأَراضي، فهو يطْلبُ منه أَن يسوِّيَها ويسْتصْلحَها، وأَنْ لا يَدَعَ أَيَّ أَرْضٍ عندَه غيرَ مزروعةٍ، وهذا من أَبْلغِ التَّعابيرِ في الدَّلالةِ على الصَّالحِ من الأَرْضِ للزِّراعةِ، وغيرِ الصَّالحِ منها.

وبناءً على ما سبقَ من أَنَّ الأَرْضَ المرْتفعةَ غيرَ الصَّالحةِ للزِّراعةِ كانت تُسَمَّى: (لُقّاً) أَنَّ المزارعينَ والفلاّحينَ في تدْمرَ عندَما توسَّعت بساتينُ تدْمرَ قد اضْطرّوا إِلى زراعةِ هذه الحُزُومِ: (حُزُوم لقِّيّ)، وهم يعْرفونَ أَنَّها غير صالحةٍ للزِّراعةِ، فلجؤوا إِلى اسْتصْلاحِها بطرقٍ مبْتكرةٍ، وجهودٍ جبّارةٍ، فكانوا ينْقلونَ لها الرِّمالَ بالعَرَباتِ من المناطقِ الكثيرةِ الرَّملِ، ثمَّ يفْرشونِها على الأَرْضِ، ويضيفونَ لها السَّوادَ حتَّى تصْبحَ غنيَّةً، وهكذا اسْتطاعوا أَنَّ يَسْتصْلحوا مساحاتٍ شاسعةً من الأَراضي، وقد نَـمَت فيها الأَشْجارُ وأَثمرت، وزُرعت فيها الخضارُ، وغيرُها من المزروعاتِ، وكلُّ ذلكَ بسببِ الجهودِ الكبيرةِ التي بذلوها في تَهْيئةِ هذه الأَراضي، وكانوا في كلِّ سنةٍ يضيفونَ لها السَّوادَ، ويحْرثونَها حراثةً جيَّدةً، فاخْتلطت التُّربةُ مع الرِّمالِ والسَّوادِ، ومع الأَعْشابِ وبقايا الأَشجارِ والأَوراقِ التي تَتَساقطُ، ومع مرورِ الأَعوامِ تحسَّنت وتبدَّلت، وأَصبحت مزارعَ وبساتينَ ناضرةً، تبهجُ العينَ، وتسرُّ الخاطرَ على امتدادِ النَّظر.

ومن المؤسفِ أَنَّ يدَ الإجرامِ التَّابعةَ للنِّظامِ وعصاباتِه ومليشياتِه الطَّائفيَّةِ الحاقدةِ امتدَّت إليها بالتَّدميرِ والنَّهبِ والإحراقِ، كما فعلت بواحةِ تدمر العريقةِ التي سنتحدَّثُ عنها في مقالٍ لاحقٍ إِن شاءَ الله.

                 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.