يقولُ المثلُ العربيُّ: (ذكّرْتَني الطَّعْنَ وكنتُ ناسياً)… أجلْ أجلْ، لقد ذكّرتني مجزرة حيِّ التّضامن التي تكشّفت أهوالُها وفظائعُها طعناتٍ وطعناتٍ، ولعلّ أشدَّ تلك الطّعنات جريمة سجنِ تدمر….
جرتِ العادةُ أَن يحدِّثَكم شخصٌ ما عن مذكَّراتِه ويوميَّاتِه، وما حصلَ له فيها من أَحداثٍ، أَليسَ كذلكَ أَيُّها الأَحبَّةُ؟َ!!.. ولكنَّي أَنا -محدِّثتَكم قطرات الدِّماءِ- أَجلْ أَنا هي القطراتُ القتيلةُ التي خرجت من أَجسادِ الضَّحايا الأَبرياءِ، من تلكِ الكواكبِ والمشاعلِ التي قدَّمت أَرواحَها رخيصةً في سبيلِ الحرِّيَّةِ والكرامةِ، أَنا سأَكونُ اليومَ راويةً للأَحداثِ، فأَنا موجودةٌ في كلِّ مكانٍ أُريقت فيه الدِّماءُ، وأُهْدِرت فيها الكراماتُ والإِنسانيَّةُ على مذابحِ الطَّواغيتِ، أَنا التي نثرْتُ بصماتي على كلِّ جزءٍ من أَجزاءِ هذا الوطنِ المتجذِّرِ في ذرَّاتي، أَنا التي خرجْتُ من أَجسادِ أَحبَّتي بقوَّةِ أَعْتى أَسلحةِ القتلِ والتَّعذيبِ والدَّمارِ.
أَكادُ أَختنقُ من رائحةِ الدَّماءِ التي تحاصرُ المكانُ من كلِّ جهاتِه، والتي ترسمُ على جدرانِه لوحاتٍ لم تستطعْ وحوشُ الأَرضِ قاطبةً أن ترسمَ مثيلاً لها، وما زالت الأرضُ تعبقُ بأَريجِ تلكِ الدّماءِ الزّكيَّةِ التي أَبت أَن تفارقَ الزَّوايا والأَبوابَ والشَّبابيكَ، وكأَنِّي بها تصْرخُ في وجهِ الظَّلمةِ قائلةً لهم: إِنَّني ها هنا شاهدةٌ على ما جرى، وما سيجري، ولن أَبْرحَ هذا المكانَ أَبداً، وكيفَ أُغادرُه وقد تَعطَّرَ بنجيعِ الأَحبَّةِ والرِّفاقِ، وشهدَ أَكبرَ مجازرِ العصرِ التي سكتَ عنها العالمُ كلُّه، هذا العالمُ المُتحجِّرُ الذي يدَّعي حقوقَ الإِنسانِ، ويَتغنَّى بها، كم هو بعيدٌ بعيدٌ عن تلكَ الشّعاراتِ الجوفاءِ، والخطاباتِ البلْهاءِ، إنَّه بعيدٌ عنها بعدَ الثُّريَّا عن الثَّرى.
ها أَنا أُحدِّثُكم عن المجازرِ الوحشيَّةِ التي لم تسمعوا بها، أَنا قطراتُ الدِّماءِ التي ما زالت متيِّبسةً على ثرى ساحاتِ: (سجْنِ تدمرَ)، واعلموا أَنَّه ليسَ سجناً واحداً، بل هو سجنانِ، حيث ضاقَ المكانُ بأَبطالِه الميامينِ، ومناراتِه الوضَّاءةِ، وقاماتِه السَّامقةِ الشَّمَّاءِ، ها أَنذا أُحدِّثكم، أَنا قطرات الدِّماءِ التي ما تزالُ تتمسَّكُ بالجدرانِ والنَّوافذِ والأَبوابِ، عندما كنتُ أَتطايرُ من أَجسادِ الشُّهداءِ، ويدوِّي الرَّصاصِ معْلناً حفْلةَ عهْرٍ وفرحٍ لرأْسِ النِّظامِ السَّفَّاحِ وزبانيتِه الأَوغادِ، أُريدُ أَن أَذكِّرَكم بتلك المناظرِ الرَّهيبةِ التي كانت تتراءَى أَمامَ ناظريَّ في حفلاتِ القتلِ والذَّبحِ والتَّعذيبِ، ربَّما تسأَلونني: لماذا ذكرْتَ الذَّبحَ والقتلَ معاً؟
أَحبَّتي الأَكارم، يا من تقْرؤون مذكَّراتي -أَنا قطرات الدِّماءِ- أُجيبُكم على هذا الاستفسارِ، فقد كنتُ أُشاهدُ أَحبَّتي ما بينَ مقتولٍ برصاصاتٍ غادرةٍ حاقدةٍ تخرجُ من قلوبٍ معقَّدةٍ لئيمةٍ، ومن وجوهٍ قبيحةٍ ذميمةٍ، كنتُ أَشعرُ بكلِّ ما هو حولي، أَرى دماءَ الأَبرياءِ ترتسمُ على قسماتِ وجوهِ القتلةِ، وتُلطِّخُها بعارِ الجريمةِ، أَرى مشاهدَ الإِجرامِ والقتلِ تخْرجُ من أُنوفِهم، وأَرى برودةَ الأَعصابِ المتبلِّدةِ المتوقَّفةِ عن الإِحساسِ، وهي تظنُّ أَنَّها تذْبحُ وتقْتلُ من أَجْلِ العقيدةِ المشوَّهةِ، كنتُ أَشمُّ نتانةَ النَّذالةِ، وسوداويَّةَ النُّفوسِ تزْكمُ الأَجواءَ من حولي، فلا تبْقى ذرَّةٌ من ذرَّاتِ المكانِ إِلاَّ وتَتقيَّأُ من هولِ الكارثةِ، فكنتُ أَنْفرُ من تلكَ الوجوهِ المخيفةِ المرعبةِ، ولم أَكنْ أَتخيَّلُ أَنَّ هناكَ بشراً بهذا الحجمِ الدَّمويِّ، وبهذه التَّركيبةِ المشوَّهةِ نفسيّاً وجسديّاً وعقليّاً وعقديّاً.
كم كنتُ أُشاهدُ مشاهدَ الذَّبحِ لتلكِ القاماتِ الشَّامخةِ، وهي تَتلوَّى بينَ أَيدي جَلاّديها، فيُذْبَحونَ كما تُذْبحُ الأَنعامُ، منظرٌ لا يمكنُ لباصرتي ومخيَّلتي أَن تنساهُ أَبداً، أَجل كانوا يذْبحونهم ذبحاً، الذَّبحُ بالسَّكاكينِ والمدى والسَّواطيرِ، تلكَ هوايةٌ عندَ هؤلاء المُشوَّهينَ، وأَيَّةٍ هوايةٍ تلكَ الهوايةُ؟! أَجلْ إِنَّها الهوايةُ، كانوا يمارسون هوايةَ الذَّبْحِ يوميَّاً، وبشعورٍ باردٍ متجمِّدٍ متشبِّعٍ بعقيدةِ الانتقامِ، أَتصدِّقُ أَنَّي رأَيْتُ أَحدَهم يَنْحرُ صنديداً من هؤلاءِ الصَّناديدِ، وهو يُمارسُ شرْبَ المتَّةِ ويتراقصُ على نغمات أغانٍ دمويّةٍ، وأناشيد ثأريّةٍ طقوسيّةٍ، مُستمتعاً بتشويهِه وطعْنِه على دفعاتٍ، كانَ يطعنُ ويشوِّهُ ثمَّ يرْتشفُ رشْفةً من كأْسِ المتَّةِ، وهو يشْفطُه بنشْوةِ الانتصارِ التي تعادلُ عنَدَه نشْوةَ صلاحِ الدِّينِ بتحريرِ القدسِ، ثمَّ يسْحبُ من سيجارتِه نفَساً عميقاً متورِّماً كالدَّماملِ، ومترافقاً بابتسامةٍ ينْثرُها على من حولَه، فيُقهْقهونَ طرباً، ويتبادلونَ كلماتِ الثَّناءِ والإِطراءِ التي تزيدُهم دمويَّةً وسواداً.
أَحبَّتي الأَعزّاء….. أَنا قطرات الدَّماءِ….. أَستميحُكم عذْراً، فأَنا لا أَستطيعُ أَن أُحدِّثكم بكلِّ ما رأَيْتُ، فما رأَيْتُه يحتاجُ إِلى مجلَّداتٍ هي أَشْبهُ بالأَساطيرِ، فبشاعةُ المناظرُ والجرائمُ، وعددُ المقتولين والمذبوحين والمعذَّبين يفوقُ حدَّ التَّصوُّرِ والتَّخيُّلِ، ولكنْ أَطلبُ منكم أَن تجمعوا كلَّ إجرامِ العالمِ، وكلَّ أَساليبِ التَّعذيبِ، وكلَّ قسْوةِ الزَّبانيةِ المجْرمينِ، وكلَّ نذالاتِ البشرِ وحقاراتِهم منذُ بدءِ الخليقةِ إِلى يومنا هذا، فإِنَّها لن تكونَ مساويةً لجزءٍ قليلٍ ممَّا كانَ يحْصلُ في هذه السُّجونِ المسالخِ، ففي هذه السُّجونِ تَتعدَّدُ إِبداعاتُ القتلِ، وتتنوَّعُ فنونُ الذَّبْحِ، وتَتفتَّحُ ابْتكاراتُ التَّعذيبِ.
إِنَّ الذي أَغاظني أَكثرَ فأَكثرَ أَنَّ هذا العالمَ الذي يَتشدَّقُ بالحرِّيَّاتِ، وأَشْبعنا تخْمةً بحقوقِ الإِنسانِ، بل الحيوانِ، يرى ويسمعُ مسروراً، وربَّما كانَ منهم من يأْمرُ، ويشاركُ، ويدْعمُ، ويساندُ، ويبرِّرُ، ويُرحِّبُ، ويعطي المشروعيَّةَ في ذلكَ الإجرامِ.
وكم كنْتُ أَعْتبُ على ذلكَ العالمِ الذي يسمُّونَه متحضِّراً أَنَّه لم يمْنحْ هؤلاءِ القتلةَ المجرمينَ براءاتِ اخْتراعِ، وشهاداتِ تقديرٍ على ما فعلوه، ولسْتُ أدري لماذا لم يدْخلوهم في كتاب: (غينيس) للأَرقامِ القياسيَّةِ لمساهمتِهم الرَّائدةِ في التَّقليلِ من البشرِ على هذه الكرةِ الأَرضيَّةِ المزدحمةِ بهذا الكائنِ البشريِّ؟!

مجْزرةُ سجْنِ تدمرَ الكُبْرَى

هل أَطلْتُ عليكم؟ اعْذروني وسامحوني، لو كنتُم مكاني لما أَنْهيتُم حديثَكم، ولكنَّني مضْطرَّةٌ لقطْعِ هذه السِّلسلةِ من الأَفكارِ التي تُسيطرُ على مشاعري، أَنا قطرات الدِّماءِ كنتُ الشَّاهدةَ والقتيلةَ، فهلمُّوا معنا أَيُّها الأَحبَّةُ إِلى اسْتعراضِ بعضٍ من تلكَ الجرائمِ….
أَنا الآنَ –قطرات الدِّماءِ- في يومِ الخميسِ، وغداً يومُ الجمعةِ، أَشْعرُ برحْمةٍ وطمأْنينةٍ تغشاني، ها هو مساءُ الخميسِ قد نَشَرَ أَجنحتَه على المكانِ، وها هي نسائمُ الغروبِ تَتَسلَّلُ من بينِ الشُّقوقِ والزَّوايا خلْسةً تحْذرُ أَعينَ جلاوزةِ النِّظامِ أَن تراها، فتلْتفُّ حولَ المكانِ عساها تنْفذُ من بينِ الحرَّاسِ والجلاَّدين محاوِلةً إِيجادَ بعضِ الثُّقوبِ التي تناستْها أَعينُ كلابِ الحراسةِ لتدْخلَ منها في حذرٍ شديدٍ علَّها تغيِّرُ من رائحةِ المكانِ الذي ملأَتْه قذاراتُهم وبشاعاتُهم ووحشيَّتُهم.
الليلُ يُسْدلُ أَستارَه رويداً رويداً، والمكانُ يُخيِّمُ عليه صمْتٌ رهيبٌ كصمْتِ المقابرِ، بعدَ هَدْأَةٍ من الليلِ، كنتُ قد غفوْتُ قليلاً، وما هي إِلاًّ غفوةٌ أَرْسلني إِليها الإِرهاقُ والتَّعبُ، بعدَ أَن انْتصفَ ليلُ الخميسِ، صرْتُ أَسْمعُ من بعيدٍ أَصواتَ جلبةٍ وضوضاءَ، ولكنَّي تَخيَّلتُها لأَوَّلِ وهلةٍ عرْساً في المدينة: (مدينةِ تدمرَ)، فهي قريبةٌ لا يفْصلني عنها إِلاَّ مسافةٌ قليلةٌ، ولكنِّي بعدَ أَن أَصَخْتُ السَّمعَ جيِّداً، أَخذْتُ أَشْعرُ أَنَّ هذه الجَلَبَةَ تقْتربُ منَّا شيئاً فشيئاً، وكنتُ أَعْرفُ أَنَّ المجْرمين قد أَغلقوا كلَّ الطَّرقِ التي تحيطُ بالسُّجْنِ، وحفروا حولَه الخنادقَ، وأَقاموا المتاريسَ، ومدَّدوا الأَسلاكَ الشَّائكةَ حولَ المكانِ، ونصبوا كلَّ الأَسلحةِ المتطوِّرةِ التي أَبْدعتها الدُّولُ التي تنادي بحقوقِ الحيوانِ، عفواً -أَحبَّتي-: (حقوقِ الإنسانِ)، لا أَعْرفُ كيفُ تخْرجُ بعضُ الكلماتِ منِّي، وتنْفلتُ دونَ أن أَتمكَّنَ من لجْمِها، أَهو الغثيانُ والدُّوارُ الذي يصيبني جرَّاءَ ما شاهدتُه وعاينتُه؟ أَم هي عواطفي وحساسيَّتي المفْرطةُ التي تأْخذني إِلى ما لا أُريدُه؟! أَنَتم تعلمون أَنَّني أَنا محدِّثتُكم -قطرات الدِّماءِ- مكوَّنةٌ من كريَّاتٍ حمراءَ وبيضاءَ، فمشاعري رقيقةٌ، وعواطفي جيّاشةٌ، ودموعي مدرارٌ، فسامحوني إِذا نَدَّت منِّي بعضُ الكلماتِ التي خرجت دونَ إِرادةٍ منِّي، ورفضَت أَن تنْصاعَ لأَوامري.
أَتروْنَ؟! هكذا هي الكلماتُ تسْتطردُ وتخْرجُ عن صلْبِ الموضوعِ؟! هل ترونَ ذلكَ؟ أَم ترونَها جميلةً؟! على كلِّ حالٍ أَتْركُ هذا لكم!!!!….
بدأَت الجلبةُ تزدادُ، وأَخذت الأَضواءُ والأَصواتُ تقْتربُ، اللهمَّ خيراً خيراً، أَصْبحَت الأَصواتُ أَكثرَ وضوحاً، وكأَنَّها أَصْواتُ أَسرابٍ من الحشراتِ والوحوشِ والمخلوقاتِ الغريبةِ العجيبةِ تريدُ أَن تَلْتهمَ المكانَ، صرْتُ أَستطيعُ التَّفريقَ بينَها، فهذا صوتُ طائراتٍ، وهذا صوتُ آليَّاتٍ، وهذه أَصواتُ قطْعانٍ من البشرِ المتوحِّشةِ، وتلكَ رشقاتٌ من أَسلحةٍ ذكيَّةٍ وغبيَّةٍ، الآنَ تدْخلُ هذه الجلبةُ الصَّاخبةُ المُتْخمةِ بشْهوةِ الانتقامِ إِلى ساحاتِ السّجْنِ الرَّهيبةِ المخيفةِ، أَخذت الأَصواتُ تَخفُّ قليلاً قليلاً، فالطَّائراتُ المرْوحيَّةُ تَحطُّ، والآليَّاتُ تَوقَّفت محرِّكاتُها، يبْدو أَنَّهم تَمَوْضعوا في أَماكنِهم المُخصَّصةِ لهم، وأَنَّ الأَوامرَ قد صدرت بإِطفاءِ محرِّكاتِ الآليَّاتِ كلِّها، وأَمروا كلابَهم بالتزامِ الهدوءِ والصَّمْتِ.
المكانُ مُكْتظٌّ بالجزَّارينِ، فأَنا –قطرات الدِّماءِ- وأَعوذُ باللهِ من كلمةِ: (أَنا)- منتشرةٌ في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاتِ هذا المكانِ، أَنا أَرى كلَّ شيْءٍ، فعيونُ محدِّثتِكم منتشرةٌ في هذا المكانِ بالملايينِ، ولا أَبالغُ إذا قلتُ أَنَّها بالملياراتِ، ولذلكَ أَنا الشَّاهدُ الوحيدُ الحيُّ والميِّتُ في آنٍ معاً، ولا يمكنُ أَن يفْلتَ منِّي أَيُّ مشْهدٍ، ولا يمْكنُ لأَيِّ كلمةٍ أَن تهْربَ من مسمعي، فأَنا مُتجذِّرةٌ في ثيابِ المجْرمين، ومُلطِّخةٌ وجوهَهم، وعالقةٌ في خلاياهم، أَتصدِّقون أَنَّني كنتُ أَسْمعُ ما يقولُه الجنودُ والعاملونَ والحمَّالونَ والجلاّدونَ، ووووو….
كنْتُ أَسْمعُ العجبَ العجابَ من الذين يُحدِّثونَ أَنْفسَهم، وهذه الأَحاديثُ لا مجالَ لذكْرِها هنا، ربَّما أُحدِّثكم عنها في وقفاتٍ أُخْرى.
لقد رأَيتُ وسمعْتُ كلَّ شيءٍ في هذا المكانِ الرَّهيبِ المخيفِ، هاكم ما رأَيتُ وما سمعْتُ:
في ذلكَ اليومِ الأَسودِ المريرِ، وقفْنا نحن –قطرات الدِّماءِ- نُشاهدُ مجْزرةً من مجازرِ التَّاريخِ، مجْزرةً تعْجزُ الكلماتُ أَن تَصِفَ أَهوالَها، وترْسمَ أَحداثَها، وسامحوني مُسْبقاً لأَنَّنا غيرُ قادراتٍ على نقلِ الأَحداثِ كما جرَت، فنحْنُ لا نجدُ كلماتٍ تَفي بالغرضِ.
الليلُ ينْتصفُ، والنَّسماتُ العليلةُ تَدْخلُ كاللصوصِ إِلى مخادعِ المظلومينَ، ها هو صباحُ يومِ الجمعةِ المباركِ يرْسلُ تباشيرَه الأُولى إِلى المدينةِ، الجميعُ يَتَوَسَّلونَ إلى اللهِ أَن يُخلِّصَهم من هذا الإِجرامِ، بعضُ السُّجناءِ يُصلُّونَ في الخفاءِ، وآخرونَ يصلُّونَ جهاراً، فقد تَساوى عندَهم الموتُ والحياةُ، بَدأَ الظَّلامُ يَخْلعُ أثوابَه ثوباً ثوباً، في هذه اللحظاتِ القاسيةِ بدأَت الحركةُ ترجُّ المكانَ رَجّاً، وراحت الأَصواتُ تعلو صخباً يُشْبهُ عواءَ الضِّباعِ والذِّئابِ عندَما يصيبُها القرمُ إِلى لحمِ الآدميِّ، وأَحياناً يَتحوَّلُ إِلى نباحٍ كلابٍ مسعورةٍ أَصابَها الكلبُ، كنتُ أَسْمعُ الأَوامرَ، جاءَ قائدُ الوحوشِ، اصْطفَّ الجميعُ أَمَامَه كأَنَّهم أَصنامٌ لا يَنْبسونَ ببنتِ شَفَةٍ، اصْطفُّوا وهم مُدجَّجونَ بكلِّ أَنْواعِ الأَسلحةِ والقنابلِ والمُتفجِّراتِ، وَقَفَ ذلكَ المجرمُ الرِّعديدُ وقفةَ الضَّبعِ المذعورِ، وراحَ يخْطبُ بتلكِ الهياكلِ الآدميَّةِ يحثُّهم فيها على التَّضْحيةِ من أَجْلِ: (القائدِ الخالدِ): أَنتم يا أَشبالَ الأَسدِ، ويا فرسانَ الميادينِ، ويا حماةَ العرينِ، أَنتم يا من تَثْأَرونَ من قتلةِ جدودِكم وأئمّتكم، وراحَ يُغْدقُ بهذه الأَلقابِ التي لا يملكُ منها قائدُه شيئاً، ارْتفعت صيحاتُ الثَّأْرِ، وملأَت المكانَ برائحةِ الكراهيةِ والحقدِ التي تعْتملُ في نفوسِ هؤلاءِ الشُّذَّاذِ الأَوباشِ. بعدَ هذا النُّباحِ المهووسِ، والخطابِ المفْترسِ، قامَ بتوزيعِ المهامِّ على الضُّبَّاطِ الموتورينَ الذين جاؤوا معه لمشاهدةِ حفْلةِ الموتِ وتنْفيذِها، كنْتُ أَرى قبائحَ العنْجهيَّة والسُّرور تبْدو على وجوهِهم رغْمَ سوادِ الإِجرامِ الذي كانَ يعْلوها، وقامَ هؤلاءِ بتوزيعِ المهامِّ على جنودِهم، وأَفْهموهم وَلقَّنوهم كما تُلقَّنُ البَّبغاواتُ كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وقالَ لهم بأَنَّ مشاركتَهم في هذه الحفلةِ هي شرفٌ يُتوِّجُ هاماتِهم، وقالوا لهم بأَنَّ الويلَ والثُّبورَ، وعظائمَ الأُمورِ ستكونُ عقاباً رادعاً لمن يَتَلكَّأُ قيدَ أُنْملةٍ في تنفيذِ هذه الأَوامرِ بحذافيرِها.
نحنُ الآنَ في صباحِ الجمعةِ الواقعِ في /27/6/1980م/، حيثُ يقومُ مجْرمو العصرِ بتسطيرِ أَعظمِ مجْزرةٍ لأُناسٍ لا يمْلكونَ حولاً ولا قوَّةً، إِلاَّ إِيماناً غامراً بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، هكذا يحْسبونَ أَنَّهم يقومونَ بتسطيرِ ملحمةِ الملاحمِ، تلكَ هي المجْزرةُ الدَّاميةُ في قلبِ سجونِ مدينةِ تدمرَ التي شوَّهوا سمْعتَها بسببِ ارْتكابِهم لكثيرٍ من المجازرِ فيها.
جاءت هذه المجْزرةُ ردَّةَ فعلٍ لحادثةِ اغْتيالِ المجْرمِ: (حافظ الأَسد) في: /26/6/1980م/، فانْظرْ إِلى هذه الطُّغْمةِ الطَّاغيةِ، والشِّرْذمةِ المتسلِّطةِ التي قامت بتنْفيذِ هذه المجْزرةِ دونَ محاكماتِ، وأَيُّ محاكماتٍ هذه في بلدٍ يُحْكمُ بالحديدِ والنَّارِ؟!!… في اليومِ التَّالي لمحاولةِ الاغْتيالِ قامُ مصَّاصو الدِّماءِ بفعْلتِهم الشَّنعاءِ، وجريمتِهم النَّكراءِ، وفي هذه المحاولةِ استطاعَ منفِّذُ الاغْتيالِ الهربَ من سوريَّةَ، ولكنَّ يدَ الإِجرامِ أَخذت تحْصدُ ذويهِ وأَقاربَه واحداً تلْوَ الآخرِ، فقامُ ضباعُ الأَمنِ باعْتقالِ /56/ فرداً من أَفرادِ أُسرتِه وأَقاربِه، وتمَّ تقديمُهم قرابينَ على مذابحِ: (هُبَل).
ومن نتائجِ محاولةِ الاغْتيالِ صدورُ قانونِ: (49/1980)، بعدَ /أَحدَ عَشَرَ يوماً/ فقط على مرورِ حادثةِ الاغْتيالِ.
كانَ صباحُ مدينةِ تدمرَ في ذلكَ اليومِ -يومِ الجمعةِ- السَّابعِ والعشرينَ من الشَّهرِ السَّادسِ من سنةِ ثمانينَ وتسْعمئةٍ وأَلفٍ صباحاً وادعاً هادئاً، المُصلُّونَ يَخْرجونَ من صلاةِ الفجرِ مُطْمئنِّينَ مسالمينَ، يسْأَلونَ اللهَ فتحَ أَبوابِ الرِّزقِ، ونشْرَ ظلالِ الأَمْنِ والأَمانِ على البلادِ.
في السَّاعةِ السَّادسةِ والنِّصْفِ من صباحِ يومِ الجمعةِ تمَّ توزيعُ عناصرِ الموتِ إِلى ستَّةِ أَقسامٍ، على عددِ المهاجعِ التي ستتمُّ فيها تلكَ المجزرةُ، في هذه اللحظاتِ المباركاتِ من يومِ الجمعةِ، كانت لحظاتُ سجنِ تدمرَ تشهدُ جريمةَ الجرائمِ، ومذبحةَ المذابحِ، كانَ القتلةُ المجْرمونَ يَترنَّمونَ على حَشْرجاتِ القتلى، ولعْلعلةِ الرَّصاصِ، وقعْقعةِ الحرابِ، وجلْجلةِ القنابلِ، كانوا يُعاقرونَ الخمْرَ، ويَقْرعونَ نخْبَ النَّشْوةِ والابْتهاجِ، ويَشْفون غليلَهم المُسْتعرَ بإِفراغِ رصاصاتِ الحقْدِ والكرهِ في رؤوسِ هؤلاءِ الأَبطالِ العُزَّلِ، ويبْقرونَ بطونَهم، وكم كانوا يفْرحونَ عندما يُشاهدونَ أَشلاءَهم تتطايرُ، ودماءَهم تنْهمرُ وتُهْدرُ، وجماجمَهم تتفجَّرُ من وقعِ هذا السَّعيرِ المُحْتدمِ، والحقدِ المُنْفجرِ.
كانَ سيِّىءُ الذِّكْرِ: (معين ناصيف) زوجاً لابنةِ: (رفعت الأَسد) الأَسْوإِ ذكْراً، ويرافقُه المُقدَّمُ: (سليمان مصطفى) وهما تابعانِ لسرايا الدِّفاعِ سيِّئةِ الذِّكْرِ أَيضاً، كانَ هذانِ المُجْرمانِ مشْرفينِ على المَجْزرةِ برُمَّتِها، وهما المعروفانِ بالدَّمويَّةِ والهمجيَّةِ، وكانَ معها: (فيصل غانم)، رئيسُ سجْنَ تدمرَ العاهرِ، وقد كانَ يأْخذُ الرَّشاوى ذَهباً من أَولياءِ المسْجونينَ حتَّى يروا أَبناءَهم، أَو يسْمعوا عنهم خبراً.
كنتُ خلالَ هذه الأَحداثِ في مدينةِ تدمرَ التي لم أَفارقْها إِلاَّ قليلاً في محاضراتٍ وأَسفارٍ وأَعمالٍ، لم نشْعرُ نحنُ –سكَّانَ المدينة- بشيءٍ ممَّا يجري، فالتَّعتيمُ على هذه الأُمورِ يَتَجاوزُ حدودَ المعقولِ، ولكنَّنا أَحْسَسْنا بأَنَّ شيئاً ما قد حَصَلَ في هذه الليلةِ، فهذه الطَّائراتُ المرْوحيَّةُ التي تشْبهُ العقاربَ والسَّعاليَ لم تَأْتِ عبثاً في جوفِ الليلِ المدلهمِّ، فهناكَ أَمْرٌ ما قد تمَّ في الخفاءِ، كلُّ سكَّانِ المدينةِ سمعوا هديرَ الطَّائراتِ، وسمعوا تحرُّكاتٍ مريبةً على غيرِ المُعْتادِ، علْماً أَنَّ أَهلَ الأَحياءِ القريبةِ من السِّجْنِ كانوا يوميّاً يسْمعونَ أَصواتَ الذينَ يُعذَّبونَ داخلَ السُّجونِ، وقد سمعْتُ ذلكَ مرَّةً، وكنتُ مارّاً بعدَ منْتصفِ الليلِ بالقربِ من تلكَ السُّجونِ.
كما كنَّا نسْمعُ كلَّ يومٍ أَصواتَ الرَّصاصِ ملعْلعاً داخلَ السُّجونِ، والجميعُ يعرفُ أَنَّها عمليّاتُ إِعدامٍ يوميَّةٍ يقومونَ بها.
بعدَ تنفيذِ المجْزرةِ الرَّهيبةِ بدأَ العملُ يجْري للتَّخلُّصِ من الجثثِ التي امْتلأَت بها المهاجعُ، ومن الدِّماءِ المُتخْثرةِ في المهاجعِ والممرَّاتِ والجدرانِ التي شكَّلت طبقةً بسماكةٍ تزيدُ على /10 سم/ تقريباً، وقد قامَ هؤلاء القتلةُ بجلْبِ العناصرِ المسْجونينَ من الجنودِ العسكريَّينَ الذينَ يحاكمونَ بتهمٍ مخْتلفةٍ من السُّجنِ الآخرِ للقيامِ بعمليّاتِ سحْبِ الجثثِ وتنظيفِ المكانِ، ليطمسوا كلَّ أَثرٍ من آثارِ هذه الجريمةِ المُروِّعةِ سريعاً قبلَ أَن تنْتشرَ روائحُ القتلى في كلِّ أَصقاعِ الدُّنيا…
ومن شِدَّةِ خبْثِهم وممارستِهم لهذه الجرائمِ، فقد قاموا بجلْبِ الكلْسِ الأَبيضِ لتكليسِ جدرانِ المهاجعِ والممرّاتِ والسَّاحاتِ، وذلكَ بعدَ أَن تطايرت الأَشلاءُ، وتناثرت الدِّماءُ في كلِّ ناحيةٍ وزاويةٍ، وقد كنَّا نحنُ -قطرات الدِّماءِ- شهوداً على تلكَ المجْزرةِ.
هكذا تمَّ الإِجهازُ على قرابةِ أَلفِ كوكبٍ ونيِّفٍ في ساعاتٍ معدودةٍ، وهناكَ من يزيدُ هذا العددَ ليصلَ إلى أَلفينِ –واللهُ أَعلمُ- بعدَدِهم، علماً أَنَّ الإِعداماتِ كانت مسلْسلاً يوميّاً يَتلذَّذُ به هؤلاءِ المُجْرمونَ، فقد كانت حفلاتُ القتلِ تَتوالى أُسبوعيّاً، وربَّما يوميّاً، وفي بعْضِها يَتجاوزُ عددُ القتلى العشراتِ.
وللتَّأكُّدِ من أَنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاءِ القتْلى قد فارقَ الحياةَ، فقد كانَ عندَ بابِ السِّجْنِ ضابطٌ من سرايا الدِّفاعِ، وفي يدِه قضيبٌ معْدنيٌّ، يَجَأُ به أَحشاءَ ضحيَّتِه، فقد كانت الجثثُ تمرُّ أَمامَه جثَّةً جثَّةً، وهو مسرورٌ بهذه المناظرِ التي فتحَت شهيَّتَه، وأَشبعت نهَمَه إِلى ممارسةِ هوايةِ القتلِ، لقد كانَ يضْغطُ بهذا السِّيخِ الحديديِّ الحادِّ رأْسُه على الجثثِ ليرى هل فيها بقيَّةٌ من روحٍ ونفَسٍ، فإِذا أَحسَّ بذلكَ أَفْرغَ رصاصاتِه في رأْسِ الضَّحيَّةِ وقلْبِه، وأَمَرَ بسَحْبِ جثَّتِه.
كانَ الضَّحايا كوكبةً من خيرةِ أَبناءِ الوطنِ، من الأَطبَّاءِ والمهندسينَ والمحامينَ والقضاةِ والأُدباءِ والشُّعراءِ، ومن سائرِ أَطيافِ المجْتمعِ، كالفلاَّحينَ والعمَّالِ، وأَصحابِ المهنِ والحرفِ المتنوِّعةِ، ومن الصِّغارِ والكبارِ، لم يُفرِّقوا بينَ أَحدٍ، فعدالةُ الإِجرامِ تشْملُ الجميعَ، وكلُّ الضَّحايا عندَهم سواسيةٌ.
بعدَ انتهاءِ حفلةِ القتلِ كانوا قد جَهَّزوا: (القلاّباتِ والتَّركساتِ)، وهذه الآليَّاتِ أَخذوها عنْوةً المؤسّسات والدّوائر، ومن أَبناءِ المدينةِ، وجاؤوا بسائقينَ معهم، فأَخذوا هذه الآليّاتِ بدونِ أَصحابِها، وتَمَّ نقْلُ الجثثِ إِلى منطقةٍ قريبةٍ من تدمرَ، تُسَمَّى: (عُوَيْمِر) على كتفِ جبلِ: (عُوَيْمِر) على بعدِ اثني عَشَرَ كيلومتراً إِلى الشَّمالِ الشَّرقيِّ من مدينةِ تدْمرَ، ومن خبْثِ النِّظامِ المُجْرمِ فقد قامَ بتحويلِ المكانِ فيما بعدُ إِلى خزَّاناتٍ ومستودعاتٍ ومحطَّةٍ للوقودِ لتزويدِ وحداتِ الجيشِ، وذلكَ في محاولةٍ لإِخفاءِ معالمِ الجريمةِ، وقد أُثيرت بعدَ عشراتِ السِّنين ضجَّةٌ حولَ هذه المَجْزرةِ، ويقالُ بأَنَّ النِّظامَ قد خَشِيَ من اكْتشافِ مكانِ الدَّفْنِ، فقامَ بالنَّبْشِ على هذه الجثثِ التي لم يَبْقَ منها إِلاَّ العظامُ، وجمَعَها في مكانٍ آخرَ، وقامَ بحَرْقِها للتَّخلُّصِ منها إِلى الأَبدِ –كما يقولون- فهم مهْووسونَ بهذه الكلمةِ: (إِلى الأَبدِ).
بعدَ أَنِ انْتهت عمليَّاتِ النّقْلِ والدَّفْنِ عندَ صلاةِ الجمعةِ قامت الطَّائراتُ المرْوحيَّةُ المدجَّجةُ بالجنودِ والعتادِ، وكلِّ أَصنافِ الموتِ بعمليَّةٍ مُلْفتةٍ للانتباهِ، وقد أَشاعت المخابراتُ في المدينةِ أَنَّ: (الجيشَ العربيَّ السُّوريَّ) يريدُ أَن يقومَ بتمريناتٍ وتدريباتٍ، وبعمليَّةِ محاكاةٍ لاحْتلالِ قلْعةِ تدمرَ، وذلكَ تدريباً للعناصرِ على السَّيْطرةِ على مثْلِ تلكَ القلاعِ والجبالِ، وقد رأَيْتُ هذه الطَّائراتِ بأُمِّ عيني، وكانَ عددُها يتجاوزَ خمسَ عشرةَ طائرةً، وقامت هذه الطَّائراتُ باحْتلالِ القلْعةِ، ونَفَّذَ الجنودَ هجوماً ناجحاً على القَلْعةِ تَمكَّنوا من خلالِه من السَّيْطرةِ عليها سيْطرةً كاملةً دونَ خسائرَ تُذْكرُ، إِنَّهم: (إِنَّهم جنودُ الأسدِ)!!!.
هذه العمليَّةُ لاحْتلالِ القلْعةِ كانت تمْويهاً على الجريمةِ، حتَّى ينْشغلَ النَّاسُ بأَخبارِ هذه العمليَّةِ، ولكي ينْسوا ما حَصَلَ في السِّجْنِ في ذلكَ اليومِ، وهي محاولةٌ لإخافةِ النَّاسِ أَيضاً من التَّحدَّثِ بكلمةٍ واحدةٍ عمّا جَرَى.
إنَّ مسلْسلَ القتلِ هذا استمَّرت حلقاتُه أَكثرَ من أَربعينَ سنةً بأَيَّامِها ولياليها، خلالَ فتْرةِ حكمِ الطَّاغيةِ: (حافظ)، وما زالَ هذا المسلْسلُ الدَّمويُّ يَتنامى ويَتصاعدُ إِلى أَن انطلقت الثَّورةُ السُّوريَّةُ عامَ /2011م/، فازدادَ نظامُ الأَسدِ الابْنِ وحشيَّةً، ولم يَتورَّعْ عن ارْتكابِ أَبْشعِ المجازرِ، وهذه صفحاتُ المواقعِ، ومحطّاتُ التَّلْفزةِ، ومراكزُ الدِّراساتِ تَعجُّ بآلافِ الوثائقِ والمُسْتنداتِ، ولكنَّ الضَّميرِ العالميَّ المُجمَّدَ في ثلاّجاتِ العمالةِ والمصْلحةِ لا يحسُّ بحرارةِ الجرائمِ أَبداً، بل هو شريكٌ فيها، لأَنَّ الذي يسْمعُ ويرى، ثمُّ يسْكتُ، فهوَ ضمنيَّاً من زمْرةِ المطبِّلينَ والمبرِّرينَ والموافقينَ والمتآمرينَ.
هذه المجازرُ في سجْنِ تدمرَ لم تَتَوقَّفِ منذُ أَنِ اسْتلمَ: (الأَبُ هُبَلُ) مقاليدَ الحكمِ بالحديدِ والنَّارِ، وتتابعت حفلاتُ القتلِ، وشلاّلاتُ الدَّمِ في كلِّ أُسبوعٍ، وفي بعضِ هذه الحفلاتِ الأُسبوعيَّةِ كانَ يتمُّ إِعدامُ المئاتِ، وعليكَ أَن تَتصوَّرَ حجْمَ الجرائمِ الكارثيَّةِ في مُسْتنقعاتِ الموتِ التي اسْتمرَّت أَكثرَ من خمسينَ سنةً.
إِنَّ جرائمَ النِّظامِ لا تنْتهي، وهو يَسْتغلُّ كلَّ حادثةٍ ليقومَ بالتَّخلُّصِ من عددٍ من السُّجناءِ في سجونِه، وخيرُ دليلٍ على ذلكَ ما تناقلتْه وسائلُ الإِعلامِ عندَ هروبِ النِّظامِ من تدمرَ، فقد تَحدَّثت هذه المصادرُ عن أَنَّ النِّظامَ قامَ بتصْفيةِ عددٍ من السُجناءِ في مجْزرةٍ مروِّعةٍ لا يُعْرفُ عددُ ضحاياها، ونقَلَ قسماً آخرَ منهم إِلى معْتقلاتٍ في محافظاتٍ أُخْرى، كما تَرَكَ قسْماً آخرَ في السُّجونِ، وقد قيلَ بأَنَّ عددَ السُجناءِ كانَ يتراوحُ ما بينَ /2000/ إِلى /11/ أَلفَ معتقلٍ، فأَينَ ذهبَ هؤلاءِ المعْتقلونَ، وما هو مصيرُهم، إِنَّها جريمةٌ مرْعبةٌ أُخْرى، وأَشدُّ قسْوةً من سابقتِها، كلُّ هذه التَّقاريرِ، وكلُّ هذه الوثائقِ لم تُحرِّكْ شعْرةً في ضميرِ من يَدَّعونَ الإِنسانيَّةَ!!!.
وقد وثَّقت المنظَّماتُ الحقوقيَّةُ سبعَ مجازرَ جماعيَّةٍ كُبْرى تمَّت في سجنِ تدمرَ، وقعت أَحداثُها المأْساويَّةُ خلالَ أَعوامِ: /1980 و1981 و1982/، وهذا عدا ما تلاها من جرائمَ منذُ بدايةِ الثَّورةِ.
في هذا المكانِ المُشْبَعِ بنذالةِ القتلةِ المجْرمينَ، وكرامةِ الأَحرارِ المقتولينَ، كانَ المُهَلْوِسونَ والمُعقَّدونَ يردِّدونَ عباراتٍ تَدلُّ عل العَتَهِ والبلادةِ والدَّمويَّةِ التي سيْطرت على تلكَ الدُّمى، فقد كانوا يُردِّدونَ مُفْتخرينَ مسْرورينَ: (نحنُ الله، نحنُ نحْيِيْكم، ونحنُ نُمِيْتُكم)، وكانوا يكْتبونَها على أَبوابِ المهاجعِ والزِّنْزاناتِ، وعلى جدرانِ الغرفِ والسَّاحاتِ، ومن تلكَ العباراتِ التي تَصْدمُكَ مباشرةً من أَوَّلِ ضرْبةٍ ورفْسةٍ من الجلاّدينَ بعدَ نزولِكَ من قاطراتِ الموتِ وشاحناتِه، تلكَ العبارةُ التي تُشْعرُكَ أَنَّكَ قد دَخلْتَ في دائرةٍ الموتِ التي لن تخْرجَ منها، هذه العبارةُ هي: (الدَّاخلُ مفقودٌ، والخارجُ مولودٌ).
تَصَوَّرْ أَنَّ أَحدَ السُجناءِ الذينَ زُجَّ به في هذا السِّجْنِ حديثاً، كانَ قد شاهدَ بقايا يابسةً من فرْوةِ رؤوسِ المقْتولينِ، إِضافةً إِلى بقعِ الدِّماءِ الكثيرةِ التي ما تزالُ تَئنُّ من أَلمِ الكارثةِ، وما زالت الطَّلقاتُ الكثيرةُ ترْسمُ مَشاهدَ على جدْرانِ الزِّنْزاناتِ والمهاجعِ، وتكْتبُ كلماتٍ، كأَنَّها (شيفرة) لأَبجديَّةِ القتلِ التي لم يكْتشفْها أَيُّ عالِمٍ إِلى اليومِ، فعلماءُ اليومِ لا يهمُّهم الإِنسانُ البشريُّ، ولكنَّ المهمَّ عندهم هو الإِنسانُ الحجريُّ.
مجازرُ سجْون تدمر مسلْسلٌ مكْسيكيٌّ بسببِ طولِ حلقاتِهِ، بل هو أَطولُ مسلْسلٍ إٍجراميٍّ في العالمِ، ولكنَّ غالبيَّةَ حلقاتِ هذا المسلْسلِ لم تُبثَّ، لأَنَّ الرَّقابةَ منعت عرضَ حلقاتِه بسببِ ما فيه من مناظرَ صادمةٍ، ومشاهدَ مرْعبةٍ، حفاظاً على مشاعرِ النَّاسِ في سائرِ أَرجاءِ المعْمورةِ، ولهذا تمَّ تكريمِ النِّظامِ وتثبيتُه خلالَ كلِّ هذه السَّنواتِ لأَجْلِ إِنسانيَّتِه ورقَّتِه!! إِنَّه النِّظامُ الذي يُحافظُ على كرامةِ مواطنيه، ولا يريدُ أَن يجْرحَ أَيِّ شعورٍ من مشاعرِهم، أَوَّاهُ أَوَّاهُ!! ما أَرقَّها من مشاعرَ، وما أَنْبلَها من عواطفَ!!!!….
وإِذا كانت خيوطُ مجْزرةِ تدْمرَ قد انكشفت، فهناكَ مئاتُ المجازرِ ظلَّت طيَّ الكتمانِ، ولعلَّ من أَشْنعِ تلكَ المجازرِ الذي انفضحت لاحقاً مجْزرةُ تدْمرَ النِّسائيَّةُ، حتَّى النِّساءُ لم يَسْلمْنَ من هذه العصابةِ، إِنَّ تلكَ النِّساءَ لم يُقاتلْنَ، ولم يرْتكبْنَ جرْماً، بل هُنَّ من النِّساءِ الشَّريفاتِ العفيفاتِ، واللواتي هنَّ قدوةٌ في الأَخلاقِ والتَّربيةِ والعفافِ، لماذا إِذاً قامَ هؤلاءِ السَّفَّاحونَ بزجِّهنَّ في السُّجونِ.
النِّظامُ لا يحْتاجُ تُهماً لزجِّ النَّاسِ في أَقبيتِه، فالتُّهمُ عندَه جاهزةٌ مُعلَّبةٌ، وهي مُسْتوردةٌ من دولٍ متقدَّمةٍ بحسْبَ المواصفاتِ القياسيَّةِ العالميَّةِ، ولو لم يكونوا راضينَ عنه، لأَقاموا مؤْتمراتِ النَّدْبِ، ولأَصْدروا قراراتِ الإِدانةِ والشَّجْبِ، أَو اتَّخذوا الحزمَ في معالجةِ الأَمرِ، ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ، فقد كانَ النِّظامُ آمناً مطْمئنّاً، ينامُ ملءَ جفونِه، ولا يبالي بمن حولَه، طالما هناكُ الجارةُ المُدلَّلةُ الرَّاضيةُ عنه، وهو الذي يحْمي حدودَها، ويذودُ عن جنودِها، إِنَّه الكلبُ الوفيُّ الذي يقومُ بحراسةِ أَمْنِها، والسَّهرِ على راحتِها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.