(الشَّريعةُ وتحتَ الطَّاحونةِ): اسمانِ مرتبطانِ ببعضِهما بعضاً ارتباطَ الرُّوحِ بالجسدِ، وتسميتانِ لمعْلمينِ مهمِّينِ من معالمِ تدمرَ الأَثريَّةِ القديمةِ، ما زالا يرتسمانِ في ذاكرةِ أَبناءِ تدمرَ إِلى اليومِ، وقد جاءت تسميةُ: (تحتَ الطَّاحونةِ) بسببِ وجودِ طاحونةٍ قديمةٍ قائمةٍ على مجرى نهرِ: (أَفقا) التَّاريخيِّ، كانت تعملُ بالعنفاتِ التي تديرُها المياهُ المنحدرةِ من نهرِ: (أَفقا)،  فكانت الطَّاحونةِ تقعُ قبلَ المكانِ الثَّاني المسمَّى: (الشَّريعةِ)، والتي هي: (الشَّريعةُ) من المعالمِ الأَثريَّةِ الماثلةِ إِلى يومِنا هذا، على الرَّغمِ ممَّا أَصابَ هذه المعالمَ: (أَفقا- وما حولَه، والشَّريعةَ، وتحتَ الطَّاحونةِ) من تعدِّياتٍ أَتت على جماليَّات تلكَ المنطقةِ وتراثِها وأَوابدِها.

نبعُ: (أَفقا) الكبريتيِّ

إِنَّ (الشَّريعةُ) هي المعْلمُ التَّاريخيُّ الثَّاني الذي يقعُ على مجرى نهرِ: (أَفقا)، ويقالُ أَنَّ سببَ تسميتِها بالشَّريعةِ أَنَّه كانَت هناكَ مدرسةٌ شرعيَّةٌ على ضفافِ نبعِ: (أَفقا)، كانت تدرِّسُ العلومَ الشَّرعيَّةَ، وذلكَ في القرونِ السَّالفةِ، والشَّريعةُ مكانٌ منخفضٌ تصبُّ فيه مياهِ نبعِ: (أَفقا)، ثمَّ تخرجُ المياهُ من هذا المكانِ لتنسابَ بينَ بساتينِ واحةِ تدمرَ العريقةِ لتسقيَ أَشجارَها ومزارعَها التي تمتدُّ على مساحاتٍ شاسعةٍ تملأُ العينَ جمالاً، وتنقعُ القلبَ بهجةً وسروراً، وتشحذُ الرُّوحَ بمناظرِها الخلاَّبةِ عزماً ونشاطاً، ويجري النَّهرُ بينَ بساتينِ الواحةِ المسوَّرةِ بجدرانٍ من اللبنِ والحجارةِ، وذلكَ بسببِ حمايةِ المزروعاتِ والأَشجارِ من قطعانِ الغزلانِ المنتشرةِ في تدمرَ وباديتِها بكثرةٍ، والتي لم يبقَ منها إِلاَّ القليلُ بسببِ الصَّيدِ الجائرِ، وانتشارِ أَدواتِ الصَّيدِ الحديثةِ التي كانت وبالاً على الحياةِ البرِّيَّةِ في البادية، وكانت مياهُ: (أَفقا) تجري في قنواتٍ من الحجرِ والإِسمنتِ قامَ بإنشائِها لجنةٌ تشرفُ على مياهِ النَّهرِ، وتعتني بسواقيهِ ومرافقِه، وتُشرفُ على تقسيمِ العَدَّانِ على أَصحابِ البساتينِ، وهذا التَّقسيمُ للمياهِ قديمٌ جدّاً، وهناكَ وثيقةٌ تذكرُ ذلكَ من العصرِ العبَّاسيِّ.

الشَّريعة

وقيلَ أَنَّ الشَّريعةَ قد سُمِّيت بهذا الاسمِ بسببِ شروعِ الماءِ فيها وانحدارِه إِليها من مكانٍ أَعلى منها، ولأَنَّ الدَّوابَّ تشربُ منها مباشرةً، ولأَنَّ ماءَها غيرُ منقطعٍ، ولا يحتاجُ إِلى دِلاءٍ للاستقاءِ منه، وهذا ما جاءَ في لسانِ العربِ:

((شَرَعَ الوارِدُ يَشْرَعُ شَرْعاً وشُروعاً: تناولَ الماءَ بفِيه، وشَرَعَتِ الدوابُّ في الماءِ تَشْرَعُ شَرْعاً وشُرُوعاً أَي: دخلت، ودوابُّ شُروعٌ وشُرَّعٌ: شَرَعَتْ نحوَ الماءِ، والشَّريعةُ والشِّراعُ والمَشْرَعةُ: المواضعُ التي يُنْحَدرُ إِلى الماءِ منها، قال الليثُ: وبها سُمِّيَ ما شَرَعَ الله للعبادِ شَريعةً من الصَّومِ والصَّلاةِ والحجِّ والنِّكاحِ وغيرِه، والشِّرْعةُ والشَّريعةُ في كلامِ العربِ: مَشْرَعةُ الماءِ، وهي مَوْرِدُ الشَّاربةِ التي يَشْرَعُها النَّاسُ، فيشربونَ منها ويَسْتَقُونَ، وربما شَرَّعوها دوابَّهم حتى تَشْرَعَها وتشرَبَ منها، والعربُ لا تسمِّيها شَريعةً حتَّى يكونَ الماءُ عِــدّاً لا انقطاعَ له، ويكونَ ظاهراً مَعِيناً لا يُسْقى بالرِّشاءِ… وشَرَعَ إِبلَه وشَرَّعها: أَوْرَدَها شريعةَ الماء فشربت ولم يَسْتَقِ لها، وفي المثلِ: أَهْوَنُ السَّقْيِ التَّشْريعُ… وهو أَن يُورِدَ رَبُّ الإِبلِ إِبلَه شريعةً لا تحتاجُ مع ظهورِ مائِها إِلى نَزْعِ بالعَلَقِ من البئرِ، ولا حَثْيٍ في الحوضِ…)).

أَمَّا: (تحتَ الطَّاحونةِ) فهو مكانٌ مكوِّنٌ من بعضِ الغرفِ البسيطةِ، وفيه درجٌ ينزلُ إِلى مستوى قناةِ: (أَفقا) الأَثريَّةِ التي تسيرُ تحتَ الأَرضِ في قناةٍ مرصوفةٍ بالحجارةِ من جميعِ جوانبِها، ومغطّاةٌ بالحجارةِ أَيضاً، ولها في مجراها فتحاتٌ من أَجلِ تعزيلِ القناةِ والإِضاءةِ، و: (تحتَ الطَّاحونةِ) مخصَّصٌ للنِّساءِ، وهناكَ أَيَّامُ في نبعِ: (أَفقا) وفي: (تحتَ الطَّاحونةِ) محدَّدةٌ للنَّساءِ، حيث تذهبُ النَّساءُ مجموعاتٍ مجموعاتٍ للاستحمامِ، فكنَّ يغْتسلنَ في: (أَفقا وتحتَ الطَّاحونةِ)، ثمَّ يغْسلْنَ ما حملْنَ من الثِّيابِ والمفارشِ والسِّجَّادِ وغيرِ ذلكَ في: (الشَّريعةِ) التي هي حوضٌ كبيرٌ منخفضٌ تصبُّ فيها المياهُ، ثمَّ تغادرُ المياهَ الشَّريعةِ لتروي بساتينَ تدمر، وتُطْفئَ حرَّ العطشِ في أَيَّامِ القيظِ اللاهبِ، وكانت الشَّريعةِ تتأَلَّقُ وتزدهي بغسيلِ الصُّوفِ، وما يرافقُ ذلكَ من عاداتٍ وتقاليدَ واحتفالاتٍ لا تُنسى.

المنطقةُ الممتدَّةُ بينَ الشَّريعةِ وتحتَ الطَّاحونةِ

وكانَ منظرُ النِّساءِ وهنَّ يغْسلنَ الصُّوفَ فرحاتٍ منطلقاتٍ من المظاهرِ التي تدلُّ على المحبَّةِ والتَّعاونِ، والمشاركةِ الطَّيِّبةِ في هذه المناسباتِ السَّعيدةِ، وكانت كلُّ عروسٍ تشتري الصُّوفَ الكثيرَ من أَجلِ فراشِ العرسِ والبيتِ: (الطَّراريح واللحفَ والوسائد…)، فلم يكنْ هناكَ إِلاَّ الصُّوفُ الذي يعتبرُ من ضروريّاتِ الجهازِ لكلِّ عروسٍ، فكانت العروسُ تدعو صويحباتِها إِلى مهرجانِ غسلِ الصُّوفِ، فيذهبُ الموكبُ محمَّلاً على الدَّوابِّ قبلَ وجودِ السَّيَّاراتِ، ثمَّ تصلُ النِّساءُ إِلى المكانِ ويجتمعنَ في الشَّريعةِ لغسلِ الصُّوفِ بكلِّ همَّةٍ ونشاطٍ، وكانت تعقدُ الدَّبكاتُ هناكَ، وتتعالى الأَهازيجُ والمواويلُ، ويمتلىءُ المكانُ بكلِّ أَلوانِ الغناءِ والنِّشاطِ، وتوزَّعُ الحلوى على المشاركاتِ.

غسيلُ الصُّوفِ في الشَّريعةِ

إِنَّ طقوسَ العرسِ التَّدمريِّ مترسِّخةٌ في الوجدانِ والثَّقافةِ الشَّعبيَّةِ، ولا يمكنُ أَن تنمحي من ذاكرةِ النَّاسِ، وبعدَ الانتهاءِ من الغسلِ يكونُ أَهلُ العريسِ قد أَعدُّوا للنِّساءِ المشارِكاتِ بغسلِ الصُّوفِ طعاماً إِكراماً لهنَّ، وتقديراً لجهودهنَّ في غسلِ الصُّوفِ الذي يتطلَّبُ الكثيرَ من الجهدِ، وكان الطَّعامُ على الغالبِ ذبيحةً تُذبَحُ إِكراماً وابتهاجاً بهذه المناسبةِ، وفي طريقِ العودةِ كانت النِّساءُ تعقدُ مجالسَ للاستراحةِ والدَّبكاتِ والغناءِ في موضعٍ يقعُ على طريقِ العودةِ يُسمَّى: (بلاطةَ العروس)، وهو مكانٌ صخريٌّ واسعٌ، وهو أَشْبَهُ  ما يكونُ بالبلاطِ، ولذلكَ سُمِّيَ بهذا الاسمِ، وكذلكَ كانَ الرِّجالُ يستريحونَ فيه بعدَ ذهابِ النِّساءِ، في طريقِ عودتِهم بعدَ أَن اغتسلوا جميعاً في نبعِ: (أَفقا).

وكانوا يزفُّـونَ العريسَ إِلى بيتِ من يستضيفُه هو وأَصحابَه، وهذه عادةٌ من العاداتِ التي كانت ساريةً في المجتمعِ، ويسمُّونَ دعوةَ العريسِ من قبلِ بعضِ المقرِّبينِ إِليه، أَو من قبلِ أَصدقائِه: (تنزيلةً)، ويعني ذلكَ أَنَّ نزولَ العريسِ وأَصحابِه وضيافتَهم صارت على هذا الرَّجلِ الذي قامَ بواجبِ العريسِ، وذبحَ من أَجلِه الذَّبائحَ إِكراماً له ولمن معه.

خروجُ المياهِ من الشَّريعةِ باتِّجاهِ الواحةِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.