كغيرها من المدن كان لمدينة تدمر دور كبير في الحراك السلمي منذ اندلاع الثورة السورية، وتعرض أهلها لانتهاكات صارخة من قبل أجهزة النظام الأمنية وعناصر مرتزقته الطائفية.
عايش أهالي المدينة عدة نكبات بدأت بحملات الاعتقال بحق نشطاء المدينة منذ اندلاع الثورة السورية، وقتل واستهداف كل من يشارك بمظاهراتها السلمية، واستهدافهم بالرصاص الحي، لتاتي مؤخرا مرحلة تعاقب السيطرة بين النظام وتنظيم الدولة والتي أفضت لسيطرة النظام وحلفائه على تدمر ومنع أهلها من العودة إليها.
روسيا تراقب الاقتصاد وإيران تغيّر الديموغرافية وهوية المدينة المنكوبة وتعمل على استجلاب عوائل مرتزقتها ليقطنوا المدينة ويسكنوا منازل أهلها المهجرين قسرا عنها.

رحلات نزوح متكررة

خلال تلك الأحداث أضطر أهالي مدينة تدمر للمرور بعدة رحلات خلال نزوحهم، منهم من نزح إلى مخيم الركبان وأخرين إلى المحافظات الشرقية (الرقة ودير الزور والحسكة)، وبعضهم وصل مباشر إلى شمالي سوريا.
من نزح إلى مخيم “الركبان” اضطر للنزوح مرة أخرى نتيجة الحصار المفروض على المخيم من قبل قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية، فهربوا من المخيم إلى المحافظات الشرقية، ليجدوا نفسهم وسط حرب جديدة بين “داعش” و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المدعومة من التحالف الدولي، فتابعوا رحلة نزوحهم نحو مناطق سيطرة الجيش السوري الحر شمالي سوريا.
لم يكن حال مهجري مدينة تدمر مثل باقي مهجري المحافظات السوري كحمص ودرعا وحلب وريف دمشق، الذين هجروا من بيوتهم لكنهم وجدوا من يستقبلهم ويأمن لهم المسكن والمشرب، إلا أن مهجري تدمر لم يجدوا أحد ولم ينظر إليهم أحد.
يقول محمد أحمد الحسن في تصريح لـ “شبكة تدمر الإخبارية” إنه عانا الأمرين بعد خروجه من مدينة تدمر، حيث نزح مرتين الأولى من تدمر إلى مدينة الرقة نتيجة القصف والمجازر التي ارتكبها النظام والميليشيات الإيرانية، والثانية من مدنية الرقة إلى محافظة إدلب، إذا دفع مبالغ طائلة وأصيب بالمرض والتعب حتى وصل إلى قرية كفردريان شمالي محافظة إدلب.
وأضاف الأستاذ عدنان القيم أن التهجير ورحلات النزوح المتكررة وما يرافقها من مصاعب وأخطار أدى لإصابته بعدة أمراض منها القلب والبروستات والدسك وألم في الركبة والمفاصل وخناق صدري وقرحة في المعدة.

معاناة مهجري تدمر بالمهجر

يعاني مهجري تدمر من الكثير أهمها من قلة فرص العمل وغلاء المعيشة، إضافة لارتفاع أجار المنازل، إذ لم يعودوا يستطيعون تحمل أعباء الحياة التي لم يعتادوا عليها في مدينتهم الأم، التي كانوا يملكون فيها منازلهم وأرزاقهم وأعمالهم.
وقال الدكتور بكر القيم رئيس المجلس المحلي لمدينة تدمر في الشمال السوري إن الأفق انسدت أمام مهجري مدينة تدمر، الذين يواجهون انعدام سبل العيش وعلى رأسها المأوى والدخل المادي، إضافة إلى المصير المجهول والضياع نتيجة عدم وجود جهة يمكن ان تستقبل شكاويهم أو وتقبل مشاركتهم بصياغة حلول مؤقتة أو دائمة لمشاكلهم.
ولفت “القسم” أن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والميليشيات الإيرانية والاحتلال الروسية متروكة للفوضى والنزاعات العشائرية والمناطقة، أو للصراع على الموارد المادية والمساعدات الإنسانية ما بين وكلاء هذه التدفقات المالية من جهة وما بين من يؤمن حمايتها.
وذكر الأستاذ عدنان القيم لـ “شبكة تدمر الإخبارية” أن أضطر للعودة إلى التدريس رغم بلوغه من العمر 66 عاما، ومعاناته من الأمراض، لأنه لا يملك دخلا يساعده على صعوبة الأيام سوى التدريس.
وأضاف محمد أحمد الحسن أنه ومهجري تدمر لا يستطيعون استقبال الأقارب والضيوف نتيجة سكنهم في بيوت صغيرة مؤلفة من غرفة ومنتفعاتها، متمنيا أن يستطيع أن يسكن في منزل أكبر، ليتمكن من إعادة إحياء عادات وتقاليد أهالي تدمر في الكرم والضيافة.
حتى في محاولتهم مساعدتهم لأنفسهم واجه مهجري تدمر عدة صعوبات، حيث شرعوا في بناء مخيم خاص لهم، حيث اشتروا أرض وبنوا عليها بيوتا صغيرة، إلا أنهم لم يتمكنوا من إكماله نتيجة نقص الموارد والدعم.
وناشد مدير المخيم المنظمات الإنسانية المحلية والدولية والأشخاص المقتدرين ماديا لمساعدتهم في إكمال المشروع لإيواء بعض العوائل المحتاجة في هذه البيوت التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة في وضعها الحالي.

انتشار وتوزع عوائل تدمر المهجرة

بعد رحلات النزوح المتكررة والنكبات المتعددة التي واجهها مهجرو مدينة تدمر، استقرت في عدة محافظات سوريا منها حلب وإدلب والرقة، وسط تخوف من رحلة نزوح وتهجير أخرى، في ظل وضع غير مستقر لهذه المناطق.
وقال كمال الخطيب ناشط مقيم في مدينة الباب لـ “شبكة تدمر الإخبارية” أن مهجرو مدينة تدمر الذين يعيشون في مدينة الباب وريفها يقدر عددهم بأكثر من 1200 عائلة بتعداد أفراد يقدر بأكثر من 6000 شخص.
وأضاف ناشط إنساني من مدينة تدمر أن نحو 200 عائلة من تدمر يعيشون في منطقتي جرابلس وعفرين.
في حين يعيش نحو 850 عائلة يقدر عدد أفرادها بـ 5000 شخص يعيشون في محافظة إدلب، حسب الناشط كمال الخطيب.
وفي محافظة الرقة يعيش نحو 225 عائلة حسب ما ذكر الدكتور بكر القيم.
كم يوجد العديد من العوائل التدمرية المهجرة في تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، الذين يعيشون بواقع أفضل نوعا ما من النازحين في الداخل السوري.
رغم المعاناة والصعوبات التي يواجهها مهجري مدينة تدمر في محافظات النزوح والمهجر، إلا أنهم يجتمعون على رأي واحد هو عدم إمكانيتهم من العودة إلى مدينته الأم في ظل تواجد قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية التي تسعى لتغير ديموغرافية المنطقة، حيث تمارس أبشع الانتهاكات والطرق لتزرع الخوف فيهم وتمنعهم من العودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.